ستة أيام من حياتي
وأنا في الحادية والعشرين من عمري أصبت بألم في بطني، لم أكن أعلم العضو المسبب للألم، ولا الطبيب كان يعلم!
ولأني كنت أستفرغ كل ما في بطني بمجرد تناوله قرر الطبيب أن لا آكل أو أشرب شيء حتى إشعارٍ آخر، ولذلك أوصلوا بي أنابيب التغذية، لم أكن أشعر بالجوع ولكن كنت أشعر بشعور ٍ جديد لم أشعر به من قبل، “وهو الرغبة في الأكل.
– هل أنت جائع يا إحسان
– لا ، ولكن أريد أن آكل وحسب
وكانت هذه تزداد مع الوقت وإن كنت لا أشعر بالجوع، من الاستحالة على المرء تخيل الشعور إلا إذا عاشه، كما لو أن المرء يريد تخيل المرارة ولا يمتلك لساناً.
بعد مرور يومين تغير شعوري وصرت أتوق للعصائر والمشروبات، لا أدري ماذا بالضبط، لربما عبوة كوكاكولا باردة تشبع كل أمنياتي، إنها نظرية سلم الطمع، ولكن هيهات، فكل ما أضعه في معدتي تخرجه في غضون 10 ثوان بالإضافة إلى الغثيان والشعور بالضعف يلاحق ذلك، فلا أريد تجربة ذلك مرةً أخرى.
ثم دنت نفسي بعد مرور ستة أيام، وأكّدت نظرية سلم الطمع صحتها، كان جُل رغباتي، وكامل أمنياتي كوب ماء.
– بارد؟!
– لا يهم
صرت كالمدمن المربوط، سبحان الله، ألإنسان كائن ضعيف لهذه الدرجة، وظننا غير ذلك، “كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)”، بعدما كان المرء يتمنى درجة اجتماعية مرموقة “وَقَصْرٍ مَشِيدٍ” صار كوب الماء جلُّ ما يتمنى.
ذلك حتى مر عليّ صاحب أخي، فتىً على السنة، قال لي بأنه سيعطيني تمراً لن أستفرغه، فقلت له:
– ما ينفع ، جربت كثير
فأصر علي وتجاهلته، فذهب ورجع بعد حوالي خمس ساعات وقد أحضر معه تمراً وماء، قلت له وقد يئست منه:
– صدقني سأستفرغه
– أنت كُل باسم الله
فأكلت حبة .. ثم الثانية … فأتبعتها بالثالثة والرابعة، صب لي الماء، وكان من بئر زمزم، شربت الماء على مهل، وكأني أشرب الدنيا وما فيها، وكأني أشرب أطيب وأحلى شراب في حياتي كلها، تذوّقته تذوّقاً، لم أعلم حق العلم بأن الماء لذيذ إلى هذه الدرجة، أعلم أنه ماء، لكن طعمه غير الذي نشربه كل يوم وننسى أحياناً أن نحمد الله عليه، وسبحان الله لم أستفرغ ما أكلت وشربت، بل لم أستفرغ شيء بعده.