الحكومة (قصة قصيرة)
الفصل الأول
في زمن كان فيه العالم كبير، ولم يكن سكان القرية البسيطة التي تقع بين جبلين يعلمون بما يجري في العالم، كان لدى القرية رئيس يحكم القرية بالعدل، كانوا القرويين يحبون رئيسهم، فهم يلتمّون حوله كلما ضاق بهم المعيشة وكلما واجهتهم مشكلة، والرئيس كان كريماً حنوناً على قريته، بالرغم أن هناك كثيرون من يمكن أن يقال عنهم أكثر حكمةً وعقلاً من الرئيس إلا أن القرويين لم يخطر في بالهم ولو في لحظة بأن يحكم قريتهم غير رئيسهم المحبوب، فما يريدون أكثر مما يحصلون عليه، يأكلون مما يأكل الرئيس، ويسكنون كما يسكن الرئيس، فمصيرهم واحد، إن أصبح الرئيس ثرياً صاروا أثرياء، وإن أصابه مشكلة صبر فصبروا معه.
الفصل الثاني
زار ذات يوم شخص غريب القرية، رحبوا به سكان القرية ودلّوه إلى رئيس القرية، ضيّفه الرئيس وأحسن استضافته، وكان القرويين يلتمون في منزل الرئيس، ويتدافعون لخدمة الرئيس وضيفه الجديد، لاحظ الضيف الغريب محبوبية الرئيس بين رعيته وكيف أنه لا يتصنع حاجزاً بينه وبين رعيته كما هو معروف في العالم الذي كان يعيش فيه، وفي المقابل لاحظ أيضاً كيف أن القرويين يحبون رئيسهم ويحترمونه، وكانوا يدافعون عن سمعته وعرضه أكثر من أنفسهم وأعراضهم، بعد إنقضاء اليوم وعودة كل قرويّ إلى كوخه، استفرد الغريب بالرئيس وصار يعلمه مما يَعلم من عالمه، شرح الغريب كيف أنه لم يعجبه ما رأى، فكيف برئيس قرية أن يخالط القرويين وهو أعلى منهم منزلة، فأين هيبة الرئيس ومكانته إذاً! ثم صار يشرح له كيف أن عليه أن لا يدخل عليه أحد إلا عند الضرورة، فوقت الرئيس ثمين ولا يتسع للقرويين، حاول الرئيس أن يدافع عن سياسته ولكن سرعان ما انهار أمام شهوة الكبر والغرور، كيف لا وما يعد به الغريب يرفعه منزلة وثروتةً، ومع مرور الأيام صار الغريب يعطي اقتراحات أكثر للرئيس.
الفصل الثالث
ويوماً بعد يوم صار الرئيس يتغير ويتحول على القرويين، وصار عقله وعقل الغريب واحد، فقد أغلق بيته أمام القرويين وصار أسلوب اللقاء مع القرويين هو عن طريق المقابلات والشروط صارت مملة وطويلة وسخيفة، قلّما صار يجتمع مع القرويين، حتى أن القرويين صاروا يجتمعون عند غيره، لم لا ورئيسهم بابه مغلق، لم يعجبه الرئيس ولا مستشاره الغريب الأمر، واعتبروا الأمر مؤامرة للاستيلاء على السلطة، فأمر باعتقال كبار القوم وأنزل عليهم العقاب، لم يعجب القرويين الأمر فصاروا يكرهونه، فعيّن الرئيس حرّاساً لنفسه ليحمي نفسه وقد اختار حمقى القوم وبعض من لا أخلاق أو علم له ليطيعوه دون تردد، وكان ذلك أحد اقتراحات الغريب، ثم فرض الرئيس الضريبة ليدفع أجور حراسه، صار يخاف على نفسه من القرويين وخاصة بعد أن اتسع المسافة بينه وبين القرويين، صار القرويون ينتبهون لشخصيات أخرى في القرية بل يلجؤون إليهم عند الحاجة، ثم إن الضريبة العالية زاد القرويون فقراً وزاد الرئيس غِناً.
الفصل الرابع
صار القرويون يشعرون بالطبقية والظلم، وغادر الحكماء والعقلاء القرية ليجدوا لهم قريةً أخرى يعيشون فيها، كيف لا وقد أُهينوا وظُلموا وأُكل حقوقهم، ومن الجهة المقابلة زاد الرئيس الحرّاس وبالتالي الضريبة مما أدى إلى نفور الكثيرين فهاجروا، ولم يبقَ في القرية إلى الرئيس والحرّاس وحمقى القرية، عندها لم يستطع أن يدفع أجورهم فثاروا عليه، كيف لا وهو من نصب المجرمين حراساً له لكي لا يرحموا ولا يشعروا بشيء حينما ينزلون العقاب على القرويين، فقتلوا الرئيس ونهبوا البقية الباقية من القرويين، وصارت القرية منذ ذلك الحين مرتعاً لقطاع الطرق واللصوص.