عين واحدة وعقول ثلاث
تخيل معي بأن ثلاث رجال يقعدون على كرسي خشبي في حديقة المدينة، أحدهم عالم فيزيائي وآخر خياط وآخر مقاول، هؤلاء الثلاث لا يعرفون بعضهم، ولكن جمعهم القدر بأن أرادوا الجلوس في الحديقة واستنشاق هواء نقي، الثلاثة يقعدون على نفس الكرسي ويتأملون ما يرون، يا ترى ماذا يدور في اذهانهم؟
الفيزيائي يتأمل حوله من فضاء، وينظر إلى الكائنات كيف تتحرك كيف تطير، ويتساءل يا ترى كم سرعة الطير وكم وزنه وكم يحتاج من الوقت ليصل إلى أطراف المدينة، وينظر إلى الشمس وكيف أن أشعتها تسقط على الأشياء وتعكس الظلال، ينظر إلى الناس وكيف يمشون وكم يحتاجون من الجهد ليتسلقوا ممشى الحديقة وكم درجة انحدارها.
أما الخياط فلا يرى ما يراه الفيزيائي، بالرغم أنه يحمل نفس العينين ونفس المخ، ولكنه ينظر إلى لباس الناس، ما نوعها، كيف خيطت، ما نوع القماش، كم استغرق ليخيط هكذا لباس، ليس ذلك فحسب، بل ربما يسخر من ذوق أحدهم ويمتدح ذوق آخرين.
وأما المقاول فيتلمس الكرسي الذي يقعد عليه، يتأكد من متانته، يقيس جودته، ثم ينظر للأرصفة والممشى، ثم يلتفت إلى الأسوار، فيحسب تكلفتها وكم من الربح يمكنه أن يكتسبه في مثل ذلك الأعمال.
البشر يملكون نفس الأعضاء ونفس درجة الذكاء إلى حد كبير، ولكن قد يكون التعلم في الصغر والبيئة له تأثير كبير في طريقة تفكير الإنسان في شبابه أو كبره، على الإنسان أن ينتبه لما يرى ويسمع ويتعلم، فهو بذلك يبرمج عقله ويصنع نفسه.