من التلسكوب إلى الخوارزمية
كيف انتقلنا من تلسكوب خشبي إلى خوارزمية تكتشف ملايين الأجرام
منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء لأول مرة كان الفضول هو الدافع الأكبر لفهم ما يراه هناك. وعلى مدى قرون، ظل اكتشاف الأجرام السماوية حكرًا على علماء يقضون لياليهم الطويلة خلف التلسكوبات، يرصدون نقطة ضوء هنا أو سديمًا هناك. لكن في السنوات الأخيرة، تغيّر المشهد بالكامل، وأصبح الاكتشاف أحيانًا يتم خلف شاشة حاسوب، وربما من غرفة طالب لم يبلغ العشرين بعد.
الاكتشافات الفلكية في العصر الحديث
في وقتنا الحاضر لم يعُد اكتشاف الأجرام السماوية يعتمد على شخص واحد يحدّق في السماء، بل أصبح نتيجة عمل جماعي تستخدم فيه أدوات بالغة التعقيد. تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) الذي بدأ عملياته العلمية عام 2022 مكّن العلماء من رصد مجرات تعود إلى المراحل الأولى من عمر الكون، ودراسة أجواء كواكب خارج المجموعة الشمسية بتفاصيل لم تكن ممكنة سابقًا. كذلك ساهمت مهمات مثل TESS في اكتشاف آلاف الكواكب الخارجية، ومهمة NEOWISE في رصد أعداد هائلة من النجوم المتغيرة والأجسام القريبة من الأرض.
في هذه المرحلة أصبح الاكتشاف في كثير من الأحيان فهمًا جديدًا لظاهرة كونية، أو إعادة تصنيف جرم معروف، أكثر من كونه العثور على جسم جديد تمامًا. وغالبًا ما يُنسب هذا العمل إلى فرق بحثية كاملة، لا إلى اسم واحد فقط، وهو ما يعكس طبيعة العلم الحديث.
أكثر من اكتشف أجرامًا سماوية بشكل فردي
عند العودة إلى التاريخ نجد أن بعض العلماء استطاعوا بجهود فردية شبه أسطورية تحقيق أرقام مذهلة بمعايير عصرهم. من أبرزهم ويليام هيرشل (William Herschel) الذي عاش في القرن الثامن عشر، واستطاع اكتشاف أكثر من 2400 جرم سماوي، شملت سُدُمًا وتجمعات نجمية ومجرات. هيرشل لم يكن يملك حواسيب ولا كاميرات رقمية، بل كان يعتمد على الرصد البصري المباشر، ومع ذلك يُعد أكثر إنسان اكتشف أجرامًا سماوية بمفرده في التاريخ.
كما يبرز اسم شارل مسييه (Charles Messier) الذي نشر فهرسه الشهير في القرن الثامن عشر، وسجّل فيه 110 أجرام سماوية عُرفت لاحقًا باسم فهرس مسييه ، ولا تزال تُدرّس وتُستخدم حتى اليوم. في ذلك الزمن، كان اكتشاف عشرات الأجرام إنجازًا علميًا ضخمًا، وليس مجرد مشروع جانبي بعد العشاء.
الفتى الذي قلب المعادلة
في عام 2024 ظهر اسم غير مألوف في الأخبار العلمية، ليس لأستاذ جامعي مخضرم، بل لفتى يبلغ من العمر 18 عامًا يُدعى ماتيو باز (Matteo Paz) من مدينة باسادينا في ولاية كاليفورنيا. كان ماتيو طالبًا في المرحلة الثانوية، وشارك في برنامج بحثي صيفي في معهد كاليفورنيا للتقنية (Caltech) حيث أُتيح له الوصول إلى بيانات أرشيفية ضخمة من تلسكوب NEOWISE التابع لوكالة ناسا.
بدلًا من محاولة تحليل هذه البيانات يدويًا وهو أمر قد يحتاج إلى عدة أعمار بشرية قرر تطوير خوارزمية ذكاء اصطناعي وتعلم آلي بنفسه. هذه الخوارزمية صُممت لتحليل التغيرات الدقيقة في شدة الضوء في نطاق الأشعة تحت الحمراء عبر فترات زمنية طويلة، وهي تغيّرات غالبًا ما يتم تجاهلها بسبب ضخامتها وتعقيدها.
النتيجة كانت مذهلة، في عام 2024 تمكن ماتيو من تحديد ما يقارب 1.5 مليون جرم سماوي محتمل، تشمل نجومًا متغيرة وأجسامًا كونية لم تكن مُصنّفة سابقًا. هذه الاكتشافات لم تكن مجرد أرقام، بل قاعدة بيانات جديدة يمكن للعلماء البناء عليها في أبحاث مستقبلية.
النشر العلمي والاعتراف
لم يتوقف الأمر عند الضجة الإعلامية بل قام ماتيو بتوثيق عمله في ورقة بحثية علمية قُدمت للنشر في مجلة The Astronomical Journal وهي مجلة علمية محكّمة تُعد من أعرق المجلات في علم الفلك. واللافت أن الورقة كانت باسمه كمؤلف رئيسي وهو أمر نادر جدًا في مثل هذا العمر.
كما حاز على المركز الأول في مسابقة Regeneron Science Talent Search لعام 2025 وحصل على جائزة مالية قدرها 250 ألف دولار. وأشاد مسؤولو ناسا بعمله علنًا، بل وشجّعوه على الانضمام مستقبلًا للعمل في الوكالة، في رسالة واضحة مفادها: “استمر .. نحن نراقبك”.
ماذا يدرس هذا الفتى؟
ماتيو باز يركز دراسته حاليًا على علوم الحاسوب والفيزياء وعلوم البيانات، مع اهتمام خاص بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في العلوم الفضائية. وبعبارة أخرى، هو لم يكتشف الأجرام السماوية لأنه كان ينظر إلى السماء كثيرًا، بل لأنه نظر بذكاء إلى البيانات وهذا ربما أكثر ما يخيف الجيل القديم من التلسكوبات.
من ويليام هيرشل الذي اكتشف آلاف الأجرام بعينه وتلسكوبه إلى فتى يكتشف ملايين الأجرام بخوارزمية كتبها بنفسه يتضح أن علم الفلك لم يفقد سحره بل غيّر أدواته فقط، واليوم لم يعد السؤال: من يملك أكبر تلسكوب؟
بل من يفهم البيانات أكثر؟
ويبدو أن المستقبل الكوني قد يأتي أحيانًا بواجب مدرسي مكتوب بلغة بايثون.